الرئيسية » أخبار الحزب » المكتب السياسي لحزب الديمقراطيين الجدد يعقد اجتماعا عاديا

في الحاجة إلى الأمل السياسي

بقلم محمد لكموش :باحث في العلوم السياسية

كثيرة هي الدراسات السياسية والقانونية التي أسهبت في شرح الظاهرة الحزبية بالمغرب، إلا أنه تجمع على كون المشهد السياسي وبالأخص الحزبي يبعث على القلق لاعتبارات عدة: أولها أنه مشهد مشتت وفوضوي، ثانيا أنه ظاهرة صوتية ومناسباتية في الغالب الأعم، ثالثا وجوده يستمد شرعيته من وجوده القانوني أكثر من وجوده الفعلي على أرض الواقع، وهو ما ينعكس على نوعية التحالفات والبرامج الحزبية، رابعا عدم القدرة على ترجمة المقتضيات الدستورية التي جاء بها دستور فاتح يوليوز 2011.

على مستوى الوظائف الجديدة للأحزاب السياسية، الشيء الذي يضفي عليها طابع الضبابية وعدم وضوح الرؤية الحزبية بالنسبة لبرامجها الانتخابية،وهو مانفر جيلا بكامله من الحياة السياسية على مستوى تراجع المشاركة الانتخابية؛

1-مشهد سياسي محبط

إن هذا الإحباط لم يولد من فراغ أو محط افتراء، بالنظر لتراكم مجموعة من العوائق التي أضحت تقف عائقا حقيقيا في إفراز أحزاب قادرة على رفع تحدي الديمقراطية من خلال تحول العديد منها، إلى مؤسسات منغلقة، تغيب فيها الديمقراطية الداخلية، باستثناء بعض الأحزاب كحزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية، الظاهرة الانقسامية للأحزاب السياسية نتيجة الانسداد التنظيمي، عدم قدرة الزعماء على تدبير الاختلاف بشكل ديمقراطي، عدم قدرتها على إنتاج خطاب عقلاني وبلورة مشروع مجتمعي محفز على المشاركة ينبذ التفرقة،عدم القدرة على انتاج برامج كفيلة بحل مشاكل المواطنين على المستوى الاجتماعي والاقتصادي…إلخ، التخندق في صراعات ضيقة هوياتية و إيديولوجية غير مستوعبة للتحولات الاجتماعية والسوسيولوجية التي يعرفها العالم والمجتمع المغربي، أحزاب سياسية لم تستطع أن تنتقل من المشروعية التاريخية إلى المشروعية الديمقراطية، الأمر الذي انعكس على نسبة المشاركة السياسية التي لم تتعدى 45% بالنسبة للانتخابات التشريعية الأخيرة لسنة 2011، ناهيك عن أوراق التصويت الملغاة وهو ما يفسر عدم اهتمام المواطن بالعملية الانتخابية.

2-: هل نحن في حاجة إلى أحزاب سياسية جديدة؟

أمام هذا الواقع الحزبي والسياسي المتدهور، هل يحق لنا الحديث عن برنامج للتقويم الهيكلي بالنسبة للأحزاب السياسية إسوة ببرنامج التقويم الهيكلي الذي خضعت له الدولة إبان مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي عقب تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية نتيجة ارتفاع الديون الخارجية، فكما هو معلوم فالاحزاب السياسية من الناحية القانونية خاضعة لمقتضيات القانون التنظيمي رقم 29-11 الصادر بتاريخ 22أكتوبر 2011، أما غير ذلك من الأمور فلا تعالجها القوانين وإنما الثقافة السياسية للقيادين الحزبيين والسياسيين للاعتبارات التالية:

– هل يمكن إعادة تقويم حزب شلت تنظيماته وهياكله الإدارية ولا يشتغل إلا في المواسم الحزبية؟.

– هل يمكن إعادة الاعتبار لخطاب زعماء الاحزاب السياسية خلدوا في القيادات وأغلقوا دورة النخب داخل أحزابهم؟. فالحزب مثل مقاولة إذا لم يحسن تدبير تسييرها على مستوى ضبط المداخيل والمصاريف فإن مصيرها سيكون الإفلاس؛

فلا أحد يشك بأن جل الأحزاب السياسية أصبحت تنظيمات منغلقة على ذاتها، أضاعت معها جيلا كاملا كان يمكن له أن يساهم في الحياة الحزبية والتنمية السياسية، من خلال المشاركة السياسية وبالتالي العمل على محاربة هذا العزوف السياسي، الذي أضحى يخدم أجندة حزبية معينة، بل يهدد نظام الاعتماد الاجتماعي المتبادل بحسب تالكوت بارسونز؛

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن إصلاح أحزاب بأدوات كانت السبب في العطب المزمن الذي أصابها؟.

بالعودة إلى دستور 1996 والذي تأسست في ظله جل الاحزاب السياسية المتواجدة حاليا، كانت تستند هذه الأحزاب على الفصل الثالث منه والذي ينص على أن: “الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم. ونظام الحزب الوحيد نظام غير مشروع.”، وهو ما يفهم منه الأدوار المحدودة التي كانت تتمتع بها في تنظيم وتمثيل المواطنين.

وهذا بخلاف الأدوار والوظائف التي أعطيت له في ظل دستور فاتح يوليوز 2011 في الفصل السابع من خلال “تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة،على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية،وفي نطاق المؤسسات الدستورية”. وهو ما يفهم منه على أن الأحزاب السياسية ما زالت لم تستطع أن تواكب مستجدات الدستور الجديد، المتمثلة في مهام التأطير من خلال تكوين المواطنين سياسيا، وتعريفهم بالقضايا الوطنية، وإشراكهم في القرار السياسي، وإعدادهم للمشاركة في الاستحقاقات، بواسطة الندوات والبيانات والإعلام…. وهي بذلك تهيئ منخرطيها للدفاع عن مشروعها السياسي في مختلف مجالات التمثيل كالهيئات المنتخبة والمجالس الجماعية والتشريعية. وتؤهل مناضليها للتعريف بثوابت الحزب،بهدف كسب العديد من المنخرطين.  كما تعمل على التكوين السياسي منخلال بلورة رؤية للمواطن نحو قضايا المجتمع والسياسة عبر صحافتها أوما تقوم به من نشاط تثقيفي قصد تعميق الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي ومناقشة القضايا الراهنة المتعلقة بالوطن، فهي تعد بمثابة مؤسسات تعليمية ” تثقف الشعب وتوجهه وتمده بالمعلومات اللازمة بطريقة مبسطة وواضحة وهذا ما يساعد في خلق الوعي السياسي وبالتالي تكوين رأي عام أكثر فاعلية في البلد”، الأمر الذي يساعد على مشاركتها في العملية السياسية من خلال منح النظام السياسي الشرعية، عكس مقاطعتها للانتخابات التي قد تشكك أو تقلل من شرعية النظام سواء في الداخل أو الخارج. بالإضافة إلى كل هذا تلعب الأحزاب السياسية دورا محوريا في ممارسة السلطة على أساس التناوب من خلال احترام إرادة الناخبين في ظل احترام شرعية الصناديق، كما لم يفت على المشرع الدستوري أن يؤكد على أهمية الممارسة الديمقراطية المفروضة على الحزب اثناء تنظيم وتسيير شؤونه الداخلية، وعيا منه بما يمكن لها أن تساعد على حل مشكل دورة النخب وتصريف الاختلاف. ثالثا: في الحاجة إلى الأمل السياسي فأمام هذه المحبطات، يطرح سؤال في كيفية الإصلاح باعتباره عملية معقدة، لنسبيته من جهة، ولخضوعه لسيرورات متوالية، باختلاف الفاعلين فيه والناظمين له، مشهد حزبي مختل تنظيميا وإيديولوجيا، فقد تتعدد الوصفات بين من يطالب بفتح مجرى دورة النخب بداخلها، وكذا بين من يطالب بإعمال الديمقراطية الحزبية من مثل فتح الباب أمام التيارات والرؤى المغايرة لرؤية الزعيم، مع ما يستلزم من إعمال الديمقراطية الداخلية؛ وبين من يعتبر أن جيل الأحزاب السياسية الحالي يعود لما قبل دستور2011 الذي يتميز بنوعين أساسيين من الاحزاب، النوع الأول هي الأحزاب ذات مشروعية تاريخية نضالية ذات مرجعية يسارية تقدمية، والنوع الثاني هي الأحزاب التي تنعت بالإدارية والتي تأسست في مواجهة الأحزاب المسماة ديمقراطية ذات مرجعية محافظة، إلا أنها أضحت غير قادرة على استيعاب مستجدات الدستور الجديد، وكذا تحولات المرحلة الراهنة، التي تقتضي نضجا ديمقراطيا فكرا وممارسة، أحزاب لا تستند على الإيدولوجية التي كانت في مرحلة تاريخية محركا للنضال ضد النظام في مرحلة أولى ثم بعد ذلك كانت محفزة للطبقات الشعبية قصد تعبئتها بخطاب ضد الطبقة الاجتماعية المسماة بورجوازية المستغلة لثرواتها، ولا على مشروعية تاريخية نضالية باعتبار الشعب المغربي بجميع اطيافه قد ساهم كل من موقعه في تحرير الوطن من الاستعمار، ولا على خطاب عقدي ديني قد يساهم في تقسيم المجتمع اكثر مما قد يخدم في لحمة المجتمع، وإنما المرحلة تحتاج إلى أحزاب سياسية قوام وأساس وجودها تمثلها للديمقراطية فكرا وممارسة روحا ونصا في أبعادها الثلاثة: ديمقراطية تمثيلية، وديمقراطية تشاركية، وديمقراطية مواطنة.

1- ديمقراطية تمثيلية: أو الديمقراطية غيرالمباشرة وفيها الشعب يختار من ينوب عنه لكي يمارس السلطة، فالشعب يبقى مصدر السلطة غير انه لايمارس السلطة بنفسه بل يفوض السلطة الى حاكم يختارونه من بينهم، حيث يختار الشعب ممثلين أونواباً لمدة معينة لكن لايستطيع الناخبون محاسبة النائبإلى حين انتهاء فترة نيابته، غير أن الانتخابات التنافسية المؤطرة بالثقافة الديمقراطية وإن لم تولد علاقة عقدية إلزامية بين الناخب والمنتخب، فإنها تؤسس على توافقات مسبقة بين الطرفين، عبر البرامج الانتخابية، والوفاء المتجدد بالخطوط المفصلية لهذه الأخيرة، كما تعزز بالوعي المستمر واليقظة من جانب الجسم الانتخابي نفسه، عبر مواكبته ومتابعته لأداء المنتخب، ومن خلال مراقبته المعنوية له،إذيكون الجزاء- في حالة التنكر للعمليات الرضائية التي تتم بين الناخب والمنتخب، والتي لا تسفر بالضرورة عن عقود بينهما، -عدم تجديد التصويت عليه أو على حزبه، وهذا ما يساهم في تحقق التداول السلمي على السلطة عبر انتقال المعارضة إلى أغلبية دائمة وتحولهذهالأخيرةإلىمعارضةضاغطة، وبالتالي لا يجوز الفصل بين مشروعية نتائج الاقتراع ومشروعية الانجاز بدعوى حيازة أكبر عدد من المقاعد وهو ما تعمل على تكريسه تجربة حزب العدالة والتنمية.

2- الديمقراطية المواطنة:باعتبارها تمثل العضوية الكاملة في الدولة، وبالنظر لما تخوله للمواطن من حقوق وواجبات، و ترتكز علىأساسينوهما: المشاركةفي الحكم من جانب، والمساواة بين جميع المواطنين من جانب آخر، ومن خلال هذا التعريف يجب مساءلة تجربة حكومة حزب العدالة والتنمية هل تمكنت من تحقيق المساواة في الأعباء بين جميع المواطنين في العدالة الضريبية، في استغلال الثروات، في الحق في الوصول إلى المعلومة، فكثيرة هي مشاريع القوانين التي تعمل الحكومة على تنزيل مقتضيات الدستور ملغومة في معناها ومبناها، بل هناك مقترحات قوانين تقدم من قبل النواب البرلمانيين تعاملت معها الحكومة باستخفاف ولا مبالاة، مثل مقترح قانون المتعلقبإحداثهيئةقضاياالدولة المقدم من قبل الفريق الاشتراكي. 3- الديمقراطية التشاركية: مع ظهور أزمة الديمقراطية في بعدها التمثيلي، وما وازاه من استبعاد المواطن طيلة الفترات التي تفصل بين الانتخابات وتحوله إلى ورقة انتخابية فحسب، فتعالت الأصوات الداعية إلى تجاوز اختلالات هذه الديمقراطية التمثيلية، فظهرت الديمقراطية التشاركية، وبالنظر لمحدودية دور الدولة المتدخلة برزت الحاجة إلى مفهوم الدولة التعاقدية فهي دولة غير مبنية على الإقصاء والإكراه بل على التفاوض والإنصات، غير أننا نلاحظ بأن هذه الحكومة غيبت هذه الديمقراطية من خلال مجموعة من المؤشرات مثل طريقتها الانفرادية في حل مجموعة من الملفات كإصلاح صندوق المقاصة، وصناديق التقاعد، وتخفيض أثمنة الدواء، وكذا إصلاح منظومة العدالة، الزيادة في أثمان المحروقات، وأخيرا وليس أخيرا الحوار الاجتماعي المعطل، كلها دلائل لم تمكن الفاعلين المعنيين بالقطاع ولا الشركاء الاجتماعيين من المساهمة في النقاش والاقتراح، وهو ما يوضح خلط الحكومة بين التواصل الاعلامي الذي تتقنه وبين إشراك المعنيين بالقطاعات المعنية بالإصلاح، رغم أن الدستور الجديد ل 2011 جاء بالمفهومين الجديدين للديمقراطية لتجاوز أزمة الديمقراطية التمثيلية.

إن الديمقراطية ليس كما قال “غرفيتش” حكم العدد كما تمارسه الحكومة الحالية، وإنما حكم القانون، لذلك، وجب التمييز بين الديمقراطية كآلية والديمقراطية كثقافة، فحين يعتد بالأغلبية كأسلوب في الحكم والسلطة مجردة من بعدها الثقافي والقيمي تتحول إلى أداة لشرعنة الاستبداد وحكم الغلبة، والحال أن الأغلبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع لا تستقيم وتصبح مشروعة إلا عندما تتواصل مع التعاقد والتوافق اللذين يشكلان زادها الثقافي ومرجعيتها السياسية. مقصد القول أن الأغلبية ليست سيفا مسلطا، بل أكثرية رجحتها العملية الانتخابية التنافسية لتحكم وفق قواعد اللعبة المتوافق عليها، وفي صدارة ذلك ضمان حقوق المعارضة (الاقلية) وصون وجودها، والمحافظة عليها مشاركة بالنقد والاعتراض والدفاع عن حق الاختلاف؛

لذا، فمن العبث أن نلوم هذا الواقع السياسي،فإذا كانت الدولة مسؤولة عن هكذا وضع حزبي وسياسي مترد يرجع إلى العهد الماضي فلا يمكن الاستمرار في الانتظارية القاتلة لغياب الديمقراطية، فالدولة غير مفصولة عن البنيان الاجتماعي والقوى النسقية المهيمنة، في المقابل لا بد من الاعتراف بأن وجود الديمقراطية في الغرب يدين لشروط متعددة منها دور المثقفين والمفكرين وطبقات العلماء في صياغة أسس المجتمع وتطلعات أفراده، فكما قال توكفيل إن الديمقراطية تبنى عبر المشاركة القاعدية للمواطنين؛

فهناك كتلة مجتمعية هائلة قادرة على خلق التغيير، بعيدا عن السلبية، التي أوصلتنا إلى مرحلة هشاشة الدولة وحالة من اللاستقرار النفسي للدولة والمجتمع على السواء.


اكتشاف المزيد من DemocPress ديموك بريس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات في بريدك الإلكتروني.

عن الإدارة

اترك تعليقا