الرئيسية » شؤون حزبية » فعاليات من مدينة تمارة في ضيافة رئيس الحزب

في التخوف من «ديمقراطية» التيار الإسلامي

الدكتور محمد ضريف

في مواجهة الأطروحة التي تذهب إلى القول بأن مشاركة جماعات الإسلام السياسي في تدبير الشأن العام من شأنها أن تساهم في تحرير المنظومة السياسية العربية من هيمنة التعددية الحزبية الشكلية التي لا تعمل إلا على تكريس الأحادية السياسية وتعكس، بالتالي، سيادة نزعة تسلطية نافية للحق في الاختلاف، تذهب أطروحة مضادة إلى التشديد على خطأ المراهنة على الإسلاميين للقيام بمهام عجز غيرهم عن القيام بها، خاصة أولئك الذين كانوا يدافعون عن مشاريع سياسية مرتكزة على ضرورة التحديث بمختلف مستوياته، ثقافيا وحقوقيا وسياسيا.
هل يمكن لجماعات الإسلام السياسي أن تساهم في بناء فضاء سياسي يعكس حقيقة دولة المواطنة ويوسع هوامش دائرة ثقافة احترام الاختلاف؟
تقدم الأطروحة التي لا تراهن على القوى الإسلامية جوابا سلبيا، وتؤسس لجوابها بجملة من المعطيات التي تحول دون امتلاك القدرة على المساهمة في التحديث، ثقافيا كان أو سياسيا.
يتمثل المعطى الأول في عدم قدرة الإسلاميين على التمييز بين المشروع المجتمعي والبرنامج الانتخابي؛ فمعلوم أن الأحزاب السياسية، التي تشكل أساس الممارسة الديمقراطية، بقدر ما تسعى إلى ترسيخ مشروعيتها تساهم في تقوية ثقافة التعددية السياسية، وبالتالي تراهن على استقطاب جزء من الرأي العام لتدفعه إلى الإيمان بمشروعها السياسي الذي لا ينفي المشاريع السياسية لباقي الأحزاب. وتكون من بين آليات الاستقطاب آلية البرنامج الانتخابي، والبرنامج الانتخابي في آخر المطاف يتضمن تشخيصا يقوم به ذلك الحزب السياسي لمجمل المشاكل، من جهة أولى، ومختلف الحلول لتلك المشاكل، من جهة ثانية. إن أغلب الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية لا زالت تشتغل بمنطق المشاريع المجتمعية عوض منطق البرامج الانتخابية بما يفيد، صراحة أو ضمنا، بوعي أو بدون وعي، رغبة في الاستفراد بالمجتمع والسلطة، فمنطق المشروع المجتمعي الذي يتأسس على نوع من «الشمولية» التي تطال مختلف مناحي حياة الفرد والمجتمع لا يمكن أن يكون، في آخر المطاف، إلا إقصائيا.
يتعلق المعطى الثاني -وهو معطى مرتبط بالمعطى الأول- بمسألة الالتباس التنظيمي؛ ذلك أن أغلب الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية لا تمتلك أية استقلالية تجاه الحركة الدعوية التي انبثقت عنها، فمعلوم أن الإسلاميين اشتغلوا منذ البداية داخل «جماعات» كانت تعتبر نفسها ذات مهمة «رسالية»، وهي مهمة تجعلها تنظيمات ذات طبيعة غير محددة بدور سياسي فقط، ولا زال الكل يتذكر تعريف حسن البنا لجماعة الإخوان المسلمين، حيث يضعها ذلك التعريف في خانة «الحركات الاجتماعية» بدل «الأحزاب السياسية».
عندما قررت الكثير من جماعات الإسلام السياسي الانخراط في العمل السياسي المباشر وبالتالي تشكيل أحزاب سياسية، فإن هذه الأحزاب ظلت مرتبطة، تنظيميا، بالجماعات الأم.
إن المتتبع لما يجري راهنا في العالم العربي لا يمكنه أن يذكر حزب الحرية والعدالة في مصر بمعزل عن جماعة الإخوان المسلمين، كما لا يمكنه أن يذكر حزب العدالة والتنمية في المغرب بمعزل عن حركة التوحيد والإصلاح. وهذا التلازم طرح بقوة سؤال الاستتباع التنظيمي: من يتحكم في من؟ ورغم أن بعض قيادات الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية تدافع عن استقلاليتها التنظيمية، فإن ما تدفع به لتبرير هذه الاستقلالية لا يقنع أحدا. وهذا الاستتباع/الالتباس التنظيمي لن يساعد على ضمان استقلالية ما هو سياسي.
يرتبط المعطى الثالث بعدم القدرة على تأمين استقلالية ما هو سياسي عما هو ديني، أكيد أن إكراهات العمل السياسي المباشر دفعت أغلب الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية إلى الحديث عن نجاحها في إحداث تمييز وظيفي بين ما هو «حزبي» وما هو «دعوي»، غير أن هذا الحديث يكشف في حد ذاته صعوبات إقامة حدود فاصلة بين الممارستين.
يعبر هذا المعطى الثالث عن نفسه من خلال ثلاثة مؤشرات: أولها ذو صلة بمنح الأولوية للمسألة الأخلاقية على المسألة الاقتصادية؛ وثانيها ذو علاقة بمفهوم ملتبس للمواطنة؛ وثالثها ذو ارتباط بالتعامل الانتقائي مع المسألة الديمقراطية، حيث لا يتم التعاطي معها باعتبارها منظومة متكاملة العناصر، بل يتم التمييز داخلها بين مستواها الفلسفي المتعلق بالعلمانية، أي فصل الدين عن السياسة، وهو مستوى مرفوض، ومستواها الإجرائي المتمثل في الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
إن المؤشرات الثلاثة تفيد مجتمعة خطأ الاعتقاد بإمكانية تأمين استقلالية ما هو سياسي في ممارسة جماعات الإسلام السياسي، وذلك لاعتبارين: أولهما يكمن في كون الخطاب السياسي لهذه الجماعات -إذا افترضنا امتلاكها لخطاب سياسي- لا يمكن أن يتأسس إلا على المرجعية الأخلاقية بمفهومها الديني؛ وثانيهما يعود إلى كون آليات الاستقطاب لن تنجز أهدافها إلا بالتمييز بين دائرة المؤمنين ودائرة غير المؤمنين.
يتجلى المعطى الرابع في كون الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية تعمل باستمرار على صياغة خطاب يروم إحداث نوع من التماهي بين القيم الإسلامية في إطلاقيتها والأهداف التي تدافع عنها تلك الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية التي تعمل، لتعبئة أتباعها، على تقديم القوى السياسية المخالفة لها كقوى معادية للإسلام وحاملة لمشروع تغريبي يروم سلخ الأمة عن هويتها. وفي هذه الحالة، لن تكون هذه الهوية إلا هوية دينية، ومثل هذا الخطاب لن يساهم، في جميع الأحوال، في ترسيخ ثقافة احترام الاختلاف وفي بناء مداخل لإنجاز التحديث بمختلف أبعاده.


اكتشاف المزيد من DemocPress ديموك بريس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

عن الإدارة

اترك تعليقا