الرئيسية » أخبار الحزب » تنسيقية الحزب بآسفي تصدر بلاغا حول مستجدات الحالة الوبائية بمدينة اسفي

لابد من تحرير الإنسان من النيوليبرالية

ذ. يــوســف ابــعـــوز / عضو المكتب السياسي لحزب الديمقراطيين الجدد 

مع بداية انتشار عدوى الوباء الخبيث في العالم، وعلى الخصوص “النامي” منه، يمكن إثارة التفكير في مسألتين اثنتين، الأولى تتعلق بمدى توفر المناعة في أجسام الحكومات وقدرتها على مواجهة الداء وتبعاته، والثانية ترتبط بطبيعة الذهنية المجتمعية ومستوى تعاطي المواطنين مع الآفات، وفي حالتنا اليوم الصحية منها.

في المسألة الأولى لابد من طرح السؤال التالي: هل بقي لدى الدولة ما يمكنها من التدخل لمنع حدوث الكارثة؟ السؤال ليس الغرض منه أن نذكر زيدا أو عمرا بسوء، إنما غايتنا مساءلة الكثير من القرارات التي وقع عليها الإختيار في العقود الأخيرة من القرن العشرين، واستمر العمل بها وتجذرت منذ البدايات الأولى من القرن الحادي والعشرين، وجميعها تنحو في اتجاه رفع شعار “قليل من الدولة”، حتى أن الضبط الأمني هو المجال الوحيد الذي استمرت فيه المؤسسات الرسمية حاضرة وبقوة، ولها في ذلك الحق لعدة اعتبارات مقبولة.

واليوم لأن الأزمة تجاوزت الحدود، وكشفت عن ضرورة ملحة لتدخل الأنظمة الصحية بمستوى كفاءة وكثافة كبيرين، وأنظمة التموين لضمان التزويد بالحاجيات الأساسية للأسواق، وتفعيل آليات الرقابة والزجر، ولامحيد فيما لابد منه، من التوفر على أرصدة ذات أوجه متعددة خاصة بالطوارئ يلجأ إليها المدبر لشؤون البلاد، ويفر إليها إن توفرت ليسد ثغرات بدت مع الإزدحام الكبير على الخدمات الأساسية في التطبيب، سواء المعتادة أو الطارئة، التقليدية أو العصرية التي أريد لها أن تقوم مقام غيرها في التعليم والتكوين مما لم يعد يعمل به في الأنظمة التربوية والصحية المحترمة عبر العالم….
منذ الشروع في سياسة التقويم الهيكلي تمت خصخصة المؤسسات العامة في كل المجالات، وأصبحت أيدي الدولة صفرا من القطاعات الحيوية والإستراتيجية؛ إذ فتحت توصيات البنك الدولي الباب أمام كل مستثمر متربص بالعالم النامي ليفعل ما يشاء في ثرواته، وفي جيوب المواطنين، وحتى في عقولهم، ومجالات مهاراتهم، ومستوياتها، بشكل صار عابرا للحدود.

فالدولة في النظام الليبرالي مجرد رقيب في حال النزاع والخلاف تتدخل، في وضع الأزمة تبحث بمعية “الشركاء” عن الحلول، إذ يظهر واضحا وضع “الحلول والإتحاد” بمعناه الصوفي الفلسفي بين الطرفين، ولتمتد بركاتهم إلى عموم “الأتباع والمريدين”.

هل الدولة العصرية تعمل بهذه الآليات؟ في أي العوالم الفكرية، والنظم السياسية نشأ هذا النهج الهجين؟

عادت الشكوك لتخيم على صدقية دعاوى الطبقة البرجوازية في الغرب بتحقيق الرفاه للبشرية جمعاء.

إذ أنه صار واضحا اليوم أن حجم الخسائر كبير في القارة العجوز، وهي التي تعتبر نموذج التقدم في كل شيء عبر العالم، في القوانين والتنظيم والحقوق والحريات والخدمات…. غير أنه في كل مرة يتبين عجزها عن الصمود بتوازن في وجه الكارثة، وهي في هذه المرة على الصيغة الوبائية التي تزحف باستمرار في كل اتجاه حاصدة الغني والفقير، والعالم والمتعلم، والذكي والغبي….

أوروبا التي سوقت نفسها منذ القرن التاسع عشر على أنها أنتجت الخلاص من كل ما لا يحتمل، هي من هندست الإستعمار وشنت الحروب، واليوم تبين أنها في ظل الإتحاد ــ أكبر التكتلات العالميةــ غير قادرة على الوفاء بما لأجله في المجال العالمي امتدت، وعلى مجالها الجغرافي الخاص اتحدت.

في هذا الخضم يوجد طرف يوظف الإيديولوجيا الليبرالية ليستفيد أكثر إن في حال الرخاء، أو في الوضع القائم، حيث التبشير دائما بالنجاح والعبور أمر حتمي.

لكن الواقع يقول غير ذلك فلا يزال وسيبقى، حلم الخلاص من التخلف في ظل النيوليبرالية التي وفرت لها العولمة كل شروط الإستئساد عبر العالم بعيد المنال.

لقد هتكت البرجوازية عرض “الدولة”، وفتكت بالشعوب غير آبهة بأحوالها، تفعل ذلك لأنها تملك وسائل إنتاج المعرفة، فضلا عن وسائل الإنتاج الإقتصادي، والتدبير السياسي، والقهر الإجتماعي، والدعاية الإعلامية، وتوظيف النخب، وإعادة إنتاج البؤس، وعلى الهامش يظل الآخرون في الانتظار عسى أن تجود بفضل.

تملك الأقلية إذن في هذه المنظومة زمام المبادرة، لغتها النافدة هي ربح المال، وبه تكون السيادة و القرار.

المؤسسات الرسمية وغيرها، يجب أن تكون في خدمة مصلحة المتحكمين في كل شيء.

القوانين تعفيهم من دفع الضرائب بذرائع غير منطقية. وغيرهم ملزم بتشريعات على المقاس تفرض التضامن الذي عرفته البشرية تطوعا لا واجبا، فتغيرت دلالة العديد من المفاهيم لدى الناس.

أما رعاية الفساد واستنباته فيتفنن فيه مهرة. تصاغ له القوالب لتسمح به. وإن لم تبحه صارت في الزوايا مركنة، لتعمد الأيادي العابثة بالمصالح العامة إلى استعمال الكثير من الأساليب القذرة لتحقيق المبتغى، فالغاية عندهم مثلهم “نبيلة”.

على الدولة أن تستعيد هيبتها، فهي للجميع، أملا في ألا يكفرها المهمشون النسب، و يرتجون لها في الظلام الإضطراب. انتظام الإلتزام بالدفع والعطاء بالقانون يجعل النفوس تطمئن. وطلب العون في الضراء تحققه الثقة المتبادلة، فلا خوف على الكيان حينذاك. فالدعوة لأن تستعيد الدولة هيبتها ليس مرده لغياب المؤسسات والثوابت التي تنبني عليها، بقدر ما يتعلق الأمر بالسعي لأن يتوقف استمرار أسرها في حروب الإغتناء المتكررة بشتى الدواعي والمسببات البشرية وغير البشرية.

وفي المسألة الثانية من حديثنا، تطفو على السطح حقائق تختفي في الظروف العادية، على الأقل لا يراها إلا المختصون المتفحصون الناقدون.

يتضح في الأزمات أن الناس تمجد في الأوقات العادية من لا يستحقون من أصحاب التفاهات، لكن ذلك تعبير من العموم على الذهنية المهترئة المنساقة وراء أساليب الدعاية السخيفة تستغلها أطراف مستفيدة من تيه الناس في دروب “الضحك” و”الفن” و”المتعة” والترفيه السخيف…

يكتشف الناظر بكل عفوية أن البقاء للأصلح، علم وعلماء ومتعلمون ومبادرون ومخترعون ومستكشفون في المختبرات … من بناة صروح تأخذ بالعلم في سبيل الرفعة والرقي.

وكذلك يطفو على السطح اعتماد الناس على التأويلات “الروحانية” للأزمات، من واصف الوضع بالغضب، يسميه البعض رباني ، وآخرون يصفونه بالطبيعي، وغيرها كثير، فيدفع هذا الفهم الكثيرين لتبني مواقف أقلها ضررا ينتج التبرير دون التقرير، والفرار إلى ما لا طاقة له بتدبير شؤون الإنسان الذي بلغ من التحكم في العلوم مستوى ما عاد معه مقبولا أن ترى الناس تتحرك بالهواجس والمتخيلات والخرافات التي لا يسوغها إلا ضعف المعرفة والعلم بمنحاه الحديث.

ومن الجدير بالذكر أن ما يرى من سلوكات لدى المواطن من استعمال البخور وخلطات الأعشاب يدعي أصحابها الكفاءة في الشفاء حيث عجزت المختبرات العلمية. بذلك وبغيره، يمارس الناس الهروب إلى الممارسات التي غالبا ما تتناقض مع دعواهم الإعتقادية الدينية، فتكتشف أن الهوية تجمع بين المتناقضات يعسر معها الدفع بالمجتمع نحو وضع أفضل. ويتأكد نجاح الإيديولوجيا في ضمان التخلف، سواء تلك التي يتبناها الناس لأنفسهم، أو ما يراد بهم من خلال السياسات والإستراتيجيات الهادفة للنخب تعي ما تفعل بمصائر الناس.

يبقى أن نقول أن أكبر عدو للناس هو الذهنيات السلبية التي “يتمتعون” فيها و”ينتشون”، مدعين أن اللجوء إلى كل أشكال التعبير عن الذات ومعالجة اختلالاتها يكون في الأبعاد غير المادية وحدها دون غيرها، ففيه دون غيره البلسم لكل “نازل” بهم. فحتى لو عملت الأنظمة الحاكمة جاهدة في تخليص البلاد من الآفات، فذهنية الكثير من أبناء المجتمع لا تتيح إمكانية المداواة. ويذكر التاريخ أن الوطن في العديد من المناسبات ضحية أبنائه، فلك الله يا وطني.

عن الإدارة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محاضرة للدكتور محمد ضريف تحت عنوان : واقع المشاركة السياسية بالمغرب

%d مدونون معجبون بهذه: