الرئيسية » الرئيسية » تصريح للقناة الأولى بمناسبة خطاب ثورة الملك والشعب

قراءة في الفصل العاشر من كتاب “تاريخ المغرب تحيين وتركيب”

الكتاب أنجزه عدد من الباحثين تحت أشراف الأستاذ محمد القبلي

القراءة من إنجاز الأستاذ يوسف ابعوز : عضو المكتب السياسي لحزب الديمقراطيين الجدد

يعدّ المغرب المستقلّ استمرارا لماض له ملامحه التي امتدّت في مختلف المجالات السّياسية و الإقتصادية  والإجتماعية والثّقافية، عالجها الكتاب بمنهج تركيبيّ عبر الوقوف على المعالم الأساسية للمرحلة. وقد حاول الفصل الذي نعالجه أن يجيب على العديد من الأسئلة، تتعلّق بالملابسات التي رافقت حصول المغرب على الإستقلال، والخطوات الأولى لبناء الدّولة المغربية الحديثة، وطبيعة العلاقات بين مكوّنات الحركة الوطنية، و بينها والمؤسّسة الملكية. فضلاً عن الإختيارات الإقتصادية والإجتماعية والثّقافية للدّولة. وقد حدّد الكتاب ما ترتّب عن الكثير منها في الأوضاع العامّة، إذ أنتجت اختلالات كبرى مسّت مختلف مناحي الحياة، وأحدثت توتّرات بين الفينة والأخرى، أدّت الكثير من الجهات ثمنها غاليا. ولقد فرضت التّحولات الدّاخلية والدّولية لاحقا، حالة من الإنفراج وتبنّي الإصلاحات، وتغيير أساليب التّدبير، مهّدت للإنتقال الدّيمقراطي المبنيّ على التّوافق.

في المجال السّياسي، فوّتت الصّراعات حول الحكم على المغرب فرص التّنمية. ولقد حدث تباين حادّ في وجهات النّظر بين الحركة الوطنية والمؤسّسة الملكية بشأن اقتسام السّلطة ومراقبة الموارد الإقتصادية. كما أرخَت الخلفية التي تحكم كلّ طرف، بين التّحديث والمحافظة، بظلالها على المواجهة.

يرجع استمرار الطّابع التّقليدي للمؤسّسة الملكيّة بالمغرب لما كرّسته السّياسة الفرنسية في بنية الدّولة من ازدواجية. وبخروج المستعمر طفت الخلافات الحادّة في المشهد السّياسي المغربيّ حول طبيعة الدّولةّ المراد بناؤها والنّمط المجتمعيّ للبلاد. وقد مهّدت العديد من التّدابير المتّخذة لظهور فئة اجتماعية استفادت من المجال الإقتصادي، وأصبح لها نفود في المؤسسات الإدارية المحدثة لتسيير شؤون جهات المملكة التي ما فتئ تقسيمها يتغيّر تبعا للأوضاع الدّاخلية والأهداف المراد تحقيقها. أما المؤسّستان الأمنية والعسكرية، فقد تمكّن الملك من حسم الخلاف بشأن وزارة الداخلية لصالحه، كما جعل قيادة الجيش بعد توحيده، بيد الأمير مولاي الحسن. ليقطع الطّريق على الطّامعين في الهيمنة على الدّولة، من خلال المؤسّسة الحكومية التي لم تشهد استقرارا يذكر، بالرغم من كون عدّة إنجازات قد تحقّقت، من قبيل إصدار أوّل دستور 1962م، وعدد من القوانين، وتنظيم الإنتخابات التشريعية سنة1963م. هذه الأخيرة أثارت نتائجها، وبعض المواقف المتصلّبة بشأن عدّة قضايا حفيظة الملك، دفعت به لإعادة تقييم الأوضاع. ونتيجة تحكّم المؤسّسة الملكية في زمام الأمور، جاءت ردود الفعل قويّة عبر الشّارع، بحدوث اضطرابات جمّة تخلّلتها اغتيالات و اعتقالات…، أوصلت البلاد للدّخول في حالة الإستثناء سنة1965م. أثرت الأحداث التي رافقت الوضعية الحادثة على العلاقة بين مختلف الفاعلين السّياسيين بالمغرب لمدّة طويلة، وخصوصا اختطاف المهدي بن بركة 1965م. في هذه الظّرفية عمدت المؤسّسة الملكية إلى إجراءات كثيرة لضبط التوازنات داخل الأجهزة الوطنيّة(الأمن ـــ الجيش)، والقطاعات (التّعليم ـ الإعلام)….، مع التّحكم في الفضاء العامّ، حيث تمّ تكريس نفود النّخب الرّسمية في الإدارة والإقتصاد والمجتمع. لكن ذلك لم يمنع من حدوث محاولات انقلابية تبنّتها بعض أطراف المؤسّسة العسكرية ستني 1971م و1972م، فضلا عن أحداث 1973م ذات البعد الثّوريّ. وإزّاء هذه التّطورات توتّرت الأجواء تحت تأثير المحاكمات. وأفرز الوضع الحزبّي الكثير من المواقف المتمايزة تجاه التّطورات بنشوء تيّارات تغذّت من الفكر اليساريّ بشتّى تلاوينه، وانقسمت أشكال التّعاطي مع الواقع القائم في البلاد بين الإختيارين الثّوري والدّيمقراطي. لم تتوانى الدّولة في ضمان إحكام القبضة الحديدية على الأوضاع بمختلف الوسائل الأمنية والقضائية و السّياسية. مع أن المرحلة عرفت البوادر الأولى لنشوء المجتمع المدنيّ. وإذا كانت قضية استكمال الوحدة التّرابية عالجت بعض التّوتّر السّياسي الدّاخلي، فقد كان التّشكيك في نتائج الإنتخابات، واستمرار حالات الإعتقال، وتردّي الوضع الإجتماعي والإقتصادي، واختلاف وجهات النّظر بشأن قضية الإستفتاء حول الصّحراء مع بعض الأطراف، تعكّر صفو المشهد العامّ بالبلاد. استطاع الملك، بما اتخذه من مبادرات في الدّاخل والخارج، أن يعيد ترتيب العلاقة مع بعض الأحزاب لتتشكّل حكومة الوحدة الوطنية في 1983م. ومع مطلع التّسعينيات، حدث الإنفراج في الوضع العامّ بصورة أكبر، من خلال التّوافق على توسيع هامش الحرّيات السّياسية، وإقرار الإصلاح الدّستوري، وإطلاق سراح المعتقلين السّياسيّين. توّج المسار الجديد بعدّة إجراءات وتدابير، بعضها قانوني، والآخر مؤسساتي، ثم حقوقي، تحقيقا لانتقال ديمقراطي وجد له سنداً على الصعيد الدّولي. 

استفاد المغرب من موقعه الجغرافيّ ورصيده التّاريخيّ الدّاعم للتّحرّر عبر العالم، وطبيعة نظامه السّياسي، ليلعب دورا محوريا على المستوى الدّولي(حركة عدم الإنحياز)، والمستوى القارّي( منظّمة الوحدة الإفريقية)، والصّعيد العربي( جامعة الدّول العربية)، وكذا الإسلامي(منظمة مؤتمر العالم الإسلاميّ). كما ظلّ محافظا على التّوازن في العلاقة مع القارّة الأوربية، ومع الولايات المتّحدة على وجه الخصوص. وساهم بصورة واضحة في حلّ الأزمات الدّولية، وبلورة بعض المشاريع العالمية. و لعلّ هذا النّهج مكّن النّظام من تحقيق هامش كبير من الثّقة، وتمكّن من نيل مكاسب داخلية وخارجية ساعدت على معالجة العديد من قضاياه المصيرية.

لم ينس الفاعلون السّياسيون بالمغرب الدّور المركزيّ للدّين في الحياة السّياسية، لذا وقع الإختيار منذ الإرهاصات الأولى لبناء الدّولة على المذهب المالكيّ باعتباره مذهب الوسطية و الإعتدال. وقد شهد موضوع السّياسة والدّين تجاذبات بين المؤسّسة الملكية من جهة، وبعض الأحزاب من جهة أخرى، وإن كانت هذه الأخيرة غير متطابقة وجهات النّظر بشأن دور الدّين في الشّأن العامّ، بين داع للقطيعة، وساع للحفاظ على الإرتباط بينهما على مستوى القمّة على الأقلّ. ومن نتائج هذا الجدل، أن تراجع دور العلماء في السّياسة، لصالح النّخب العصرية المثقّفة، مع مأسسة إمارة المؤمنين والمجالس العلمية. كانت الغاية من ضبط الحقل الدّيني المغربيّ، هو قطع الطّريق على القوى ذات المرجعية الدّينية التي تنافس المؤسّسة الملكية في شرعيتها عبر الوصاية على تأويل النّص، وكذا حسن توظيف الإسلام في تحقيق التّوازنات السّياسية. أما على المستوى الحقوقي، فالنّظام الذي عمد في فترات سنوات الرصاص إلى التّضييق على الحقوق، وجد نفسه أمام خيار المصالحة مع الماضي عبر إجراءات جمعت بين المصادقة على المعاهدات الدّولية، وإصدار قوانين وتعديل أخرى، وإنشاء المؤسّسات الرّسمية، وتعزيز الحرّيات في المجال العامّ. وقد استفادت المرأة المغربية من هذا التوجه عبر  المقاربة الحقوقية التي جمعت بين الدّولي والوطنيّ في النّصوص القانونية المؤطّرة، في إقرار عدّة حقوق للنّساء. كما أنّ المجال الثّقافي حظي بالإهتمام، حيث مكّن النّشاط الجمعويّ المكثّف خلال أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي، من نيل عدّة مكتسبات، يشكّل الوضع القانونيّ للثّقافة الأمازيغية أحد انجازاتها. 

في المجال الإقتصاديّ، تبنّى المغرب سياسة التّخطيط المركزيّ وتدخّل الدّولة عبر المخطّطات التي استهدفت النّهوض بالقطاعات الإنتاجية الحيوية. كما تمّ النّهوض بالقطاع الخاصّ الوطني وحفزه بالعديد من القرارات التّنظيمية والمالية في إطار المغربة، وفتح المجال أمام الرّأسمال الأجنبيّ، في مجالات إنتاجية محدَّدة، عبر جملة من التّدابير المتنوّعة، في إطار توجّه أكثر ليبيرالية. لذا تغيّرت أولويات الدولة في الإقتصاد، سواء في الفلاحة او الصّناعة. ومن أهداف هذا التّوجه، تلبية الإحتياجات الأساسية، وتحقيق التّوازن بين السّوق الدّاخلية والخارجية. إلا أن الإستراتيجيات التي تمّ اتّباعها لم تنجح كثيرا تحت تأثير التّقلّبات في السّوق الدّولية منذ أواسط عقد السّبعينيات، وآثار الجفاف. لذلك لجأت الدّولة للحدّ من تدخّلها المباشر في الإقتصاد، وتبنّي سياسة التّقويم الهيكليّ بداية من أواسط الثّمانينيات لغاية تحقيق التّوازنات الماكرواقتصادية و الماكرومالية، وهو ما تحقق إلى حدّ كبير. لكنّ نتائج هذا النّهج كانت مخيّبة على المستوى الإجتماعي، بما افرزته من اختلالات كبيرة في المستوى المعيشيّ لفئات واسعة من المجتمع. استلزم هذا الوضع المتردّي تدخّلا للدّولة عبر العديد من الإجراءات المتنوّعة خلال التّسعينيّات في شكل برنامج للتأهيل دشنته حكومة التّناوب بالتّعاون مع عدّة جهات دولية، بإدخال اصلاحات مؤسّساتية، و قانونية، ومالية جذرية، رغم حجم الإكراهات التي فرضها ثقل التّركة الإجتماعية، والمديونية الخارجية، و نظام العولمة، والتّقلّبات المناخية، وضعف الطلب الداخليّ لانخفاض القدرة الشّرائية. وقد تواصلت هذه الدّينامية لاحقا، من خلال الإهتمام بجلب الإستثمارات وتحفيز المقاولات، خصوصا الصّغرى والمتوسّطة، وتأطير العنصر البشريّ، والرّفع من القدرة التّنافسية للمنتجين، وتسهيل الحصول على القروض، ودعم التّشغيل الذّاتي، والإهتمام بالتّكوين المهنيّ ومحو الأمّية….

على مستوى التّطورات الإجتماعية، تزايد عدد سكّان المغرب بوتيرة اختلفت من فترة لأخرى، تبعا للأوضاع الإقتصادية والسّياسية، لتصير الوضعية مع نهاية القرن العشرين إلى تزايد الشيخوخة، وارتفاع نسبة الفتوّة، ليرتفع حجم الطّلب على الخدمات الأساسية. من أبرز عوامل الإنتقال الديمغرافي، تلك السّياسات المتّبعة في التّخطيط الأسريّ، و تمدرس الفتيات، وخروج المرأة للشّغل….وردت مع هذه التّحولات معطيات ثقافية ومجالية مهمّة أنتجت اختلالات و توتّرات كبيرة، استدعت تدخّل الدّولة والقطاع الخاصّ بأوجه شتّى. إلّا أن الملاحظ هو أن مختلف مظاهر الأزمة الإجتماعية ظلّت مستمرّة، بل مستغلّة من قبل بعض السّياسيّين والمضاربين.

طبقيا، تميز المجتمع مع بداية عهد الحماية بغلبة الطّابع القبليّ، إلا أن التحولات التي عرفها إبّان وبعد الفترة الإستعمارية في نواحي متعدّدة، أفرزت تمايزا تشكّلت معه  الطّبقات الإجتماعية التي من الصّعب تحديد حجم كلّ منها. كما يصعب الإحاطة بأعداد غير المسلمين من المسيحيّين وغيرهم من الأقليات، فيما سجّل تراجع الوجود اليهوديّ بشكل ملموس، أواسط القرن العشرين، بفعل الهجرة المكثّفة.

سجل قطاع التعليم اهتماما متزايدا من الدولة منذ الإستقلال، وقد رفعت الدولة شعارات التعميم والتوحيد والتعريب والمغربة، مخصّصة لتنفيد سياساتها إمكانيات مالية وموارد بشريّة مهمّة. غير أن الزّيادة السّكانية لم تواكبها سياسات موازية، ممّا كان له الأثر السّلبيّ على الأهداف المسطّرة، حيث تدنّى مستوى التّعليم بشكل ملحوظ. وفي السياسة الصحية، وضعت قيد التنفيذ عدة برامج طموحة عبر مراحل لما بعد الإستقلال. لم يف الجهد المبذول بالغرض، ذلك أن العديد من أوجه النقص ظلت حاضرة في المنظومة على مستوى الموارد المالية والبشرية والتجهيزات الطبية.

في الميدان الثقافي، تقاسم المجتمع المغربي توجّهان على مستوى مختلف أشكال الإنتاج والتّعبير الثّقافيين، أحدهما غربيّ، والآخر شرقيّ. كما لم يحصل أن سيطر توجّه فكريّ ما على المجال الثّقافي المغربيّ، ليظلّ التّأرجح من فترة لأخرى قائما، رغم الزّخم الأكبر الذي عرفته فترة السّتينيات والسّبعينيات، حيث كانت الثّقافة في خدمة التّنمية في شموليتها. بينما تجلّى التّوجه الذي يروم إرساء الحداثة الفكريّة خلال السّبعينيات و الثّمانينيات؛ فيما عرفت مرحلة التّسعينيات تنوّع الإهتمامات وتكريس ثقافة الإختلاف وحقوق الإنسان. كلّ هذا الإنتقال تجسّد في أصناف كثيرة من الدّراسات والأبحاث، استعانت بمناهج حديثة في شتّى الميادين من خلال سياسة الإنفتاح، عبّر عنها في الإصدارات الفلسفية والفكرية و التّاريخية والأدبية والفنّية، سواء في صيغة أطاريح أو دراسات ومقالات. فضلا عن الإنتاج الشّفاهي، وانعقاد النّدوات والمناظرات لتدارس مختلف المواضيع والقضايا. كما تجلّى الإهتمام الواسع بالمجال الثّقافي في إحداث عدّة مؤسّسات وإنشاء مجالس مختصة، وشعب جامعية….  فضلا عن نيل مختلف الإصدارات الإهتمام من قبل دور النّشر والتّوزيع. هذا المجال بدوره استفاد من الدّعم المتعدّد الأشكال، ما أتاح له التّطور والنّمو ، رغم بعض النّقص الذي لايزال يلازمه.

ويشكّل التعبير الشفاهي أحد أسس الرّصيد الثّقافي الوطني. وهو يتضمّن التّعبير الأمازيغيّ الذي ظل حاضرا بين المغاربة بشتّى أشكاله. ونتيجة الإهتمام الرّسمي، بعد الحيوية على مستوى المجتمع المدنيّ، أصبحت الأمازيغيّة لغة رسمية، ودخلت المنهاج التّربوي وغيره من المجالات. وبالموازاة مع ذلك، كان المكوّن الدّارج يحتفظ بتواجده على المستوى الشّعبي. كما وظّف في الأعمال الفنّية المختلفة. ولأن المكوّن الحسّاني رافد من روافد الهويّة الوطنيّة، فقد حظيت الحسّانية بالإهتمام، وتنوّعت مواضيع توظيفها الفنّيّ بالخصوص. ولم يختف الملحون عن المشهد الفنّي المغربيّ، حيث لم يقتصر على بيئة نشأته بتافيلالت. فهو الآخر نوّع مواضيع اهتمامه تماشيا مع التّحولات الكبرى في البلاد.

في المجال الفنّي، شكّلت الموسيقى التّعبير الأبرز فيه. فالموسيقى جمعت بين الأصيل و الجديد. نذكر منه الطّرب الأندلسيّ والغرناطيّ والطّرب الحسّاني. وجمع الطّرب الشّعبي بالأمازيغية والعربية الدّارجة بين الغناء والإيقاع والرّقص. وتعدّ المهرجانات والمواسم والأسابيع الثّقافية مناسبات تتمّ من خلالها العناية بالتّراث و صيانته والتّعريف به. وتجدر الإشارة لظهور النّمط العصريّ في الغناء، فضلا عن اقتباس النّمط الشّرقي، وبروز غناء الغيوان الحامل لهموم المجتمع، ونموذج الرّاي كلون فنّي جزائري الأصل. 

في الميدان التّشكيلي، كما المسرح، شهدت عدّة مدن بروز ثلّة من المهتمّين، لينتقل الإهتمام إلى مستوى المأسسة، ودمج الفنون التّشكيلية في المنظومة التّربوية سواء كأنشطة أساسية أو موازية. وكباقي مجالات الإبداع، مرّ الفنّ التّشكيلي والمسرح بمراحل عدّة بدءا بتلمّس خيوط الوجود، وصولا إلى الإنتاج المعبّر عن الهوية والكينونة، وهموم المجتمع. ولم تختلف السّينما عن غيرها من الفنون، فقد كان وجودها في المغرب مرتبطا بالمستعمر. لكن النّضج السّينمائي بالمغرب بدأ في السّبعينيات، حاملا هموم عموم المجتمع، عاكسا صورته، من حيث المضمون والشّكل. لتتوالى أجيال السّينمائيين المغاربة سواء المحلّيين أو العائدين من الخارج وتتنوّع معهم الإبداعات التي تلامس الواقع المعيش بكل أبعاده.

اتّسم المعمار المغربيّ بتنوّعه، وتحوّله من فترة لأخرى، انطلاقا من الأصيل وصولا نحو الحداثيّ. فبينما حافظت بعض المناطق على المشاهد العمرانية الأصيلة، نشأت النّماذج المرتبطة بالفترة الإستعمارية. غير أن الحادث في هذا المجال، وتحت ضغط التّحولات السّوسيوقتصادية، هو ظهور أنماط معماريّة غير منضبطة في الغالب، تطوّق التّجمعات السّكنية، فتأثرت البيئة العمرانية الأصيلة، دون أن تتمكّن العصرية من حمل الرّسالة الحضارية المغربية في الغالب، إلّا من نماذج بنيت بإرادة موجّهة.

خلاصة:

  بعد حصول المغرب على استقلاله، كان بديهيا أن ينشغل الجميع، ملكا وشعبا، ببناء الدّولة المغربيّة الحديثة. لكنّ عدم امتلاك مختلف الأطراف لمشروع الدّولة، وتباين الرؤى بشأن هويتها، أو على الأقل عدم وضوح معالمها في الأذهان، أدخل البلاد في متاهة استمرت آثارها إلى اليوم. و لأن التّاريخ الرّاهن ينشغل بالبحث عن الأسباب والعوامل والحيثيّات التي أحاطت بمجريات المرحلة المدروسة، رغم الصعوبات المتعدّدة المرتبطة بالقرب الزّمني، والمصادر، والمحاذير السّياسية وغيرها، فقد سلّط الكتاب في الفصل المدروس الضّوء على الملفات الأساسية منها، دون الوصول للكشف عن تفاصيل التطورات كلّها، خصوصا أنه تبنّى المقاربة التّركيبية الشّمولية. لهذا ستظلّ العديد من القضايا عن هذه المرحلة غامضة في جوانب عدّة منها، إلى أن تتعمّق الدّراسات التّفصيلية المتقصّية في سبر أغوار جوانبها، استجلاء للحقائق و استلهاما للدّروس، ليستفاد منها في المضيّ قدُما نحو مغرب أفضل تتوق إليه كل الفئات.

عن الإدارة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سلوك سرقة الغنم بالدارالبيضاء: هل نحن أمام جريمة عادية، أم أمام قناعة باللادولة؟

معاد اهليل : عضو المجلس الوطني ...

%d مدونون معجبون بهذه: