لم تكن السيول التي عرفتها بعض مناطق المغرب في الآونة الأخيرة مجرد حدث طبيعي عابر، بل كانت لحظة كاشفة لاختلالات أعمق في علاقتنا بالتخطيط والوقاية والسلوك الجماعي في مواجهة المخاطر.
لقد أعادت هذه الفيضانات إلى الواجهة سؤال البنية التحتية المرتبطة بتصريف مياه الأمطار، خاصة في القرى والدواوير التي ظلت لسنوات خارج أولويات التدخل الوقائي، تحت مبرر الجفاف أو ندرة التساقطات. غير أن التحولات المناخية المتسارعة أثبتت أن منطق “التأجيل” لم يعد صالحا، وأن الطبيعة لا تعترف بالحسابات الظرفية.
فحين تتحول الأودية إلى مجاري جارفة، وتنقطع الطرق، وتحاصر المساكن، فإننا لا نكون أمام ظاهرة طبيعية فقط ، بل أمام كلفة تراكمية لاختيارات تنموية لم تضع الوقاية في صلبها. وهذا يفرض اليوم نقاشا هادئا ومسؤولا حول الحاجة إلى تعزيز شبكات تصريف المياه، وإدماج مخاطر الفيضانات ضمن التخطيط الترابي، لا باعتبارها استثناء، بل كاحتمال قائم.
غير أن البنية وحدها لا تكفي.
فالتجارب الأخيرة أظهرت أن تدبير الأزمات لا يقتصر على جاهزية المؤسسات بل يرتبط أيضًا بسلوك الأفراد والجماعات. وحين تصدر تحذيرات رسمية، وتطلق دعوات للإجلاء الوقائي، ثم يقابل ذلك بالرفض أو التردد بدافع الاعتياد أو الخوف على الممتلكات، فإن الخطر لا يطال الشخص المعني فقط، بل يمتد إلى فرق الإنقاذ وإلى باقي الساكنة.
في لحظات الكوارث، يصبح التعاون واجبا مواطنا، لا خيارا شخصيا. فالحياة البشرية تظل أسمى من أي اعتبار والاستجابة للتوجيهات الوقائية ليست خضوعا، بل وعيا ومسؤولية.
ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الحقيقي اليوم هو بناء ثقافة وقائية جماعية، تقوم على الثقة المتبادلة، والالتزام واستباق المخاطر بدل الاكتفاء برد الفعل ثقافة تجعل المواطن شريكا في الحماية، لا متفرجا أو ضحية دائمة، وتجعل من التدبير الاستباقي ركيزة أساسية في السياسات العمومية.
إن المرحلة الراهنة، في ظل التغيرات المناخية، تفرض إعادة ترتيب الأولويات فلا تنمية مستدامة دون بنية وقائية قوية واستباقية، ولا حماية فعالة دون وعي جماعي، ولا إنقاذ ناجح دون تعاون المواطن مع مؤسساته.
وحده هذا الوعي المشترك كفيل بأن يحول الأزمات إلى لحظات مراجعة وبناء بدل أن تبقى كل موجة مطر مناسبة جديدة لعد الخسائر وتسميتها “قدرا” وتوجيه النقد للسلطة.
DemocPress ديموك بريس لسان حزب الديمقراطيين الجدد
