الرئيسية » أخبار الحزب » بيان تضامني من التنسيقية الجهوية لحزب الديمقراطيين الجدد بسوس ماسة
زيادة ساعة

الساعة الإضافية بالمغرب: حين يتحول التعنت إلى إنكار

صوفيا ضريف

لم يعد ممكنا قراءة الاحتقان الاجتماعي في المغرب باعتباره موجة عابرة أو رد فعل ظرفي على صعوبات معيشية مؤقتة، بل أصبح أقرب إلى تعبير تراكمي عن فجوة آخذة في الاتساع بين مجتمع يطالب بالإنصات، وسلطة تبدو، في كثير من الأحيان، مترددة في الاستجابة أو متمسكة بخياراتها إلى حد التعنت. وفي قلب هذه الصورة، يطفو مطلب إسقاط الساعة الإضافية كأحد أكثر الأمثلة دلالة، لا لأنه الأهم في سلم الأولويات، بل لأنه الأكثر قدرة على كشف طبيعة العلاقة المختلة بين القرار العمومي والإحساس العام للمواطنين.

فالساعة الإضافية، التي كان يفترض أن تظل إجراء تقنيا قابلا للنقاش والمراجعة، تحولت مع مرور الوقت إلى رمز مكثف لشيء أعمق: شعور واسع بأن القرارات تتخذ بعيدا عن نبض المجتمع، وأن كلفة هذه القرارات اليومية يتحملها المواطن وحده، دون أن يجد مقابل ذلك خطابا مقنعا أو استعدادا حقيقيا لإعادة النظر. هنا تحديدا، لا تعود المسألة مرتبطة بتوقيت زمني، بل بتوقيت سياسي متأخر عن استيعاب تحولات المزاج العام.

إن المغاربة، وهم يواجهون ضغوطا متزايدة في كلفة العيش، وواقعا صعبا في سوق الشغل، واختلالات مستمرة في خدمات الصحة والتعليم، لا ينظرون إلى ملف الساعة الإضافية بمعزل عن هذا السياق. على العكس، يرونه امتدادا له. فحين يفرض إيقاع زمني يزيد من مشقة الحياة اليومية، خصوصا على التلاميذ والموظفين والعمال، دون نقاش عمومي حقيقي، فإن الرسالة التي تلتقط ليست تقنية، بل سياسية: هناك من يقرر، وهناك من يطلب منه فقط أن يتكيف.

وهنا يبدأ الخلل في التحول إلى أزمة ثقة. لأن أخطر ما في التعنت ليس فقط رفض تعديل قرار، بل الإصرار على تجاهل ما يكشفه من دلالات. فالمطالب الاجتماعية، حتى البسيطة منها، حين تقابل بالصمت أو التبرير أو التسويف، تتحول تدريجيا إلى مؤشرات على غياب الإرادة في الإصغاء. ومع كل مرة يتكرر فيها هذا الإحساس، تتآكل الثقة أكثر، وتفقد المؤسسات جزءا من مشروعيتها الرمزية، ويصبح الشارع، لا الوسائط السياسية، هو اللغة الوحيدة المتبقية للتعبير.

وليس من قبيل الصدفة أن تتقاطع موجات الاحتجاج الاجتماعي في المغرب حول قضايا تبدو متفرقة في ظاهرها، من الصحة والتعليم إلى التشغيل والقدرة الشرائية، لكنها تلتقي في جوهر واحد: المطالبة بالكرامة والعدالة والاعتراف. وفي هذا السياق، يتحول مطلب إسقاط الساعة الإضافية إلى ما يشبه “القشة الكاشفة”، لا التي تقصم الظهر، بل التي تظهر مدى هشاشته.

إن الاستمرار في هذا النهج لا يحمل فقط كلفة اجتماعية، بل يفتح الباب أمام تحولات أعمق في بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع. أولها اتساع دائرة اللامبالاة السياسية، حيث يفقد المواطن الثقة في جدوى المشاركة، وثانيها انتقال الاحتجاج من أشكاله المؤطرة إلى تعبيرات أكثر عفوية وحدة، وثالثها ترسخ شعور عام بعدم الإنصاف، خاصة لدى الشباب والفئات الهشة. وفي مثل هذا المناخ، لا يكون الخطر في الاحتجاج ذاته، بل في ما يسبقه: الإحساس الجماعي بعدم الجدوى.

غير أن أخطر ما في التعنت هو أنه يقدم أحيانا كعلامة على الحزم، بينما هو في حقيقته عجز عن التكيف مع واقع متغير. فالدولة القوية ليست تلك التي تفرض قراراتها مهما كانت الكلفة، بل التي تملك شجاعة مراجعتها حين تتضح آثارها السلبية، وتدرك أن الشرعية لا تستمد فقط من النصوص، بل من الرضا الاجتماعي. والسياسة، في جوهرها، ليست إدارة للوقت فقط، بل إدارة للثقة.

وعليه، فإن إعادة النظر في الساعة الإضافية لن تكون مجرد استجابة لمطلب جزئي، بل رسالة سياسية بليغة مفادها أن صوت المجتمع مسموع، وأن القرار العمومي ليس معزولا عن أثره الإنساني. أما الإصرار على التعنت، فلن يقرأ كدفاع عن خيار تقني، بل كإصرار على نمط في الحكم يراكم الصمت إلى أن يتحول إلى احتقان.

في النهاية، لا يقاس استقرار الدول بقدرتها على تمرير القرارات، بل بقدرتها على كسب ثقة مواطنيها. وحين تصبح هذه الثقة على المحك، فإن أبسط الملفات قد تتحول إلى اختبار حقيقي لمدى نضج العلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي المغرب اليوم، يبدو أن الساعة لم تعد مجرد عقارب تضبط الزمن، بل مؤشرا دقيقا على زمن سياسي يحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة الضبط.

عن الإدارة