الجذور التاريخية والبيئة التشريعية لعقوبة الإعدام في إسرائيل
تعتبر قضية عقوبة الإعدام في إسرائيل من أكثر القضايا إثارة للجدل، حيث تعود جذورها إلى فترة الانتداب البريطاني قبل تأسيس الدولة في سنة 1948. وورثت إسرائيل “أنظمة الدفاع (الطوارئ) لسنة 1945” التي سنتها المنظومة الاستعمارية البريطانية، وهي تشريعات كانت تهدف إلى قمع التمرد والمقاومة خلال فترة الانتداب. هذه الأنظمة تسمح بفرض عقوبة الإعدام في أربع فئات رئيسية من الجرائم تشمل إطلاق النار على الأشخاص، استخدام أو حيازة المتفجرات والسوائل الحارقة، العضوية في منظمات تنفذ هذه الأعمال، ونقل أو تصنيع الوسائل القتالية دون ترخيص.
بعد سنة 1948، أدخلت إسرائيل هذه القوانين في منظومتها المحلية، ثم أعادت إنتاجها في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن الأوامر العسكرية عقب احتلال سنة 1967. ومع ذلك، تبنت الدولة في بداياتها نموذجا ليبراليا يسعى للانسجام مع معايير القانون الدولي، مما أدى إلى إلغاء العقوبة في جرائم القتل العادية سنة 1954 بقرار من الكنيست. كان هذا الإلغاء جزئيا، حيث أبقى المشرع على نصوص تتيح الحكم بالموت في سياقات الحرب والطوارئ، والخيانة العظمى، والجرائم ضد الإنسانية.
ونستعرض عبر العوارض التالية التطور الزمني الرئيسي للتشريعات المتعلقة بعقوبة الإعدام في إسرائيل (1945-1993):
- 1945 – أنظمة الدفاع البريطانية: تشريعات استعمارية ورثتها إسرائيل تتيح الإعدام في الجرائم الأمنية.
- 1948 – إعدام مئير توبيانسكي : أول عملية إعدام لمواطن إسرائيلي بتهمة التجسس (برئت ساحته لاحقا).
- 1950 – قانون محاكمة النازيين : فرض عقوبة الإعدام الإلزامية لجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.
- 1954 – إلغاء الإعدام للقتل العادي : الكنيست يلغي العقوبة في القضايا المدنية لتعزيز صورة الدولة العقلانية.
- 1955 – قانون القضاء العسكري: إضافة جرائم الخيانة العظمى والتعاون مع العدو كجرائم تستوجب الإعدام.
- 1962 – إعدام أدولف أيخمان: التنفيذ الوحيد لعقوبة الإعدام بقرار محكمة مدنية لجرائم تتعلق بالمحرقة.
- 1988 – حكم جون دميانيوك: الحكم بالإعدام على حارس معسكر نازي (قلب الحكم لاحقا سنة 1993).
السوابق القضائية الكبرى وتأثيرها على الفقه القانوني
شهد التاريخ الإسرائيلي حالتي تنفيذ فعلي للإعدام فقط، لكنهما رسمتا ملامح التردد القضائي والمخاوف من الخطأ غير القابل للإصلاح. الحالة الأولى كانت مئير توبيانسكي سنة 1948، الذي خضع لمحكمة عسكرية ميدانية وأعدم رميا بالرصاص بتهمة التجسس، ليتضح لاحقا أنه كان ضحية اتهام زور، مما دفع الرئيس الأول حاييم وايزمان إلى معارضة العقوبة بشدة وتخفيف أحكام إعدام لاحقة أصدرتها محاكم مدنية إلى السجن المؤبد.
أما الحالة الأشهر فهي إعدام أدولف أيخمان سنة 1962، والذي تمت محاكمته بموجب قانون معاقبة النازيين والمتعاونين معهم لسنة 1950. ويمثل أيخمان المسوغ الفقهي الذي تحاول التيارات اليمينية اليوم استحضاره لمحاكمة الأسرى الفلسطينيين، بدعوى أن أفعالهم تندرج تحت بند “جرائم الإبادة” أو “الجرائم ضد الشعب اليهودي”.
وفي المقابل، تبرز حالة جون دميانيوك، الذي اتهم بأنه “إيفان الرهيب” في معسكر تريبلينكا، حيث حكم عليه بالإعدام سنة 1988، لكن المحكمة العليا قلبت الحكم سنة 1993 بسبب وجود شك معقول في هويته، مما عزز قناعة المنظومة القضائية بخطورة العقوبة النهائية.
قانون إعدام الأسرى لسنة 2026: التشريح الهيكلي والتمييز المنهجي
في 30 مارس 2026، أقر الكنيست الإسرائيلي، بأغلبية 62 نائبا مقابل معارضة 48، قانونا جديدا يوسع نطاق عقوبة الإعدام ليشمل الفلسطينيين المتورطين في هجمات مميتة. هذا التشريع، الذي قاده وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يتجاوز السياسة التقليدية للامتناع الفعلي عن تطبيق الإعدام.
المسارات القضائية المزدوجة
يستحدث القانون نظاما قانونيا مزدوجا يعمق الفوارق القومية والعرقية:
ففي المحاكم العسكرية بالضفة الغربية، تصبح عقوبة الإعدام هي العقوبة التلقائية لكل من يقتل إسرائيليا في عمل يصنف إرهابيا. ويطبق هذا الحكم حصريا على الفلسطينيين، بينما يستثنى المستوطنون الإسرائيليون الذين يحاكمون أمام المحاكم المدنية.
أما في المحاكم المدنية داخل إسرائيل، يطبق القانون على من يرتكب قتلا عمدا بهدف “إنكار وجود دولة إسرائيل” أو “الإضرار ببعث الشعب اليهودي”. ويرى الخبراء القانونيون أن هذا التعريف مصمم لاستثناء “الإرهابيين اليهود”، حيث أن جرائمهم لا تهدف عادة لإنكار وجود الدولة.
كما تبرز النقاط التالية التغييرات الإجرائية الجوهرية التي أدخلها قانون 2026 مقارنة بالوضع السابق:
– شرط الإجماع :
يتطلب إجماع لجنة من ثلاثة قضاة.
يكفي الأغلبية البسيطة من القضاة.
– طلب النيابة :
لا يصدر الحكم إلا بطلب رسمي من النيابة.
يمكن للمحكمة إصدار الحكم دون طلب النيابة.
– رتبة القضاة :
يجب أن يكون القضاة برتبة مقدم فما فوق.
إلغاء شرط الرتبة العالية للقضاة.
– حق العفو / التخفيف :
يحق للقائد العسكري تخفيف العقوبة.
حظر كامل على تخفيف الحكم أو العفو.
– مدة التنفيذ :
غير محددة بدقة (خاضعة للاستئناف الطويل).
إلزامية التنفيذ شنقا خلال 90 يوما من صدور الحكم.
قانون “محاكمة المشاركين في أحداث 7 أكتوبر”
إلى جانب القانون العام، تقدم الكنيست بتشريع خاص بعنوان “قانون محاكمة المشاركين في أحداث مجزرة 7 أكتوبر 2025-5786”. هذا القانون يهدف إلى إنشاء محكمة عسكرية مخصصة (Ad hoc) تملك صلاحيات استثنائية:
– صلاحية الإعدام: السماح بفرض العقوبة على المشاركين في أحداث 7-10 أكتوبر 2023.
– تجاوز القواعد الإجرائية: منح المحكمة الحق في الانحراف عن قواعد الإثبات العادية “لتحقيق العدالة”.
– التمثيل القانوني: تقييد وصول المتهمين للمحامين والزيارات العائلية.
– العلنية والتوثيق: ستكون الجلسات علنية وتبث مباشرة، مع الاحتفاظ بحق المحكمة في جعل بعض الجلسات سرية لحماية “خصوصية الضحايا”.
المواقف الأمنية والاستخباراتية: صراع الردع والانتقام
أثار القانون انقساما داخل المؤسسة الأمنية. تاريخيا، عارض جهاز “الشاباك” والجيش عقوبة الإعدام، معتبرين أنها “قنبلة موقوتة” تهدد الأمن القومي. ومن حججهم:
- تحويل المنفذين إلى شهداء: حذر نداف أرغمان، رئيس الشاباك السابق، من أن الإعدام سيخلق هالة من القدسية حول المنفذين، مما يحفز المزيد من العمليات.
- زيادة عمليات الاختطاف: حذر عاموس يادلين من أن المنظمات الفلسطينية ستسعى لاختطاف إسرائيليين لاستخدامهم كرهائن لتبادلهم ومنع تنفيذ أحكام الإعدام.
- انعدام الأثر الرادع: أظهرت الدراسات الأمنية أن من يخرج لتنفيذ عملية وهو مستعد للموت أصلا لن يردعه حبل المشنقة.
- الخطر القانوني الدولي: حذر المدعي العسكري من أن القانون يعرض ضباط الجيش لدعاوى دولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
ومع ذلك، أشار رئيس الشاباك الحالي، بعد أحداث أكتوبر 2023، إلى وجود “قيمة” لوجود خيار الإعدام في القانون، مع الإصرار على عدم جعله إلزاميا وترك مرونة لتقديرات الأمن الميدانية.
الانقسام السياسي والمجتمعي
يعكس الجدل حول القانون صراعا أيديولوجيا عميقا داخل إسرائيل. فاليمين المتطرف، بقيادة بن غفير، احتفل بإقرار القانون بشرب “الشمبانيا” وارتداء دبابيس ذهبية على شكل مشنقة، معتبرا إياه “يوم عدالة” و”يوم ردع”.
في المقابل، وصفت المعارضة القانون بأنه “غير يهودي وغير ديمقراطي”. وقد صرح يائير لابيد بأن القانون يتبنى المعايير الأخلاقية للجماعات المتشددة ويجعل إسرائيل تتصرف مثل أعدائها. كما حذر زعيم المعارضة من أن القانون سيقيد يد الحكومة في مفاوضات تبادل الأسرى مستقبلا، حيث يمنع القانون إطلاق سراح أي محكوم بالإعدام ضمن صفقات التبادل.
كما أظهرت استطلاعات الرأي ميلا متزايدا في الشارع الإسرائيلي لدعم العقوبة القاسية نتيجة للأحداث الأمنية، كما يظهر في الجدول التالي:
التداعيات القانونية الدولية والانتهاكات الحقوقية
أجمعت المنظمات الحقوقية مثل عدالة، هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، على أن القانون يمثل انتهاكا جسيما للالتزامات الدولية لإسرائيل.
أوجه الانتهاك الدولي:
- مبدأ المساواة أمام القانون: القانون تمييزي صراحة، حيث يستهدف الفلسطينيين حصرا ويستثني الإسرائيليين من اختصاص المحاكم العسكرية.
- اتفاقية جنيف الرابعة: المادة 64 تحظر على القوة المحتلة تطبيق قوانينها الجنائية على السكان المحميين، كما تفرض ضمانات للمحاكمة العادلة وحق العفو التي ألغاها القانون الجديد.
- العهد الدولي للحقوق المدنية (ICCPR): المادة 6 تحمي الحق في الحياة وتمنع التوسع في جرائم الإعدام أو تقليص ضمانات الاستئناف.
- تعريف الأبارتهايد: ترى هيومن رايتس ووتش أن هذا النظام القضائي المزدوج هو أحد ركائز نظام الفصل العنصري (Apartheid).
الردود الدولية والضغوط الدبلوماسية
أثار القانون غضبا عالميا وليس فقط داخل اسرائيل، حيث أدانت 31 منظمة مجتمع مدني دولية الخطوة ودعت الاتحاد الأوروبي لاتخاذ “إجراءات عاجلة”.
من جهته وصف الاتحاد الأوروبي القانون بأنه “تراجع خطير” ودعا لمراجعته في إطار اتفاقية الشراكة مع إسرائيل. في حين أبدت الولايات المتحدة موقفا متحفظا، حيث صرحت بأنها تحترم “حق إسرائيل السيادي” في سن قوانينها، لكنها أعربت عن ثقتها في ضرورة إجراء محاكمات عادلة. أما الدول العربيةوالإسلامية، فقد أدان ثمانية دول منها القانون، معتبرة إياه “شرعنة للإبادة الجماعية” وتصعيدا يهدد الاستقرار الإقليمي.
مستقبل القانون
فور إقرار القانون، قدمت جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل ومركز “عدالة” التماسات للمحكمة العليا لإبطاله. المحكمة طلبت من الحكومة تقديم ردها بحلول 24 ماي 2026. ويرتكز الطعن على أن القانون يتناقض مع “قوانين الأساس” الإسرائيلية التي تحمي الكرامة الإنسانية والحرية، وأنه يفتقر إلى الهدف الأمني المشروع (الردع) بناء على شهادات قادة الأمن أنفسهم.
الآفاق المستقبلية
يمثل تشريع عقوبة الإعدام في إسرائيل سنة 2026 تحولا من نموذج “الدولة الليبرالية العقلانية” إلى نموذج “دولة الانتقام القومي”. القانون لا يغير فقط منظومة العقوبات، بل يهدد حياة أكثر من 10,000 أسير فلسطيني ويضع المنظومة القضائية الإسرائيلية في مواجهة مباشرة مع المحاكم الدولية.
إن إصرار اليمين المتطرف على هذا القانون، رغم معارضة الخبراء الأمنيين، يشير إلى أن الهدف الحقيقي هو ترسيخ واقع سياسي جديد يمنع أي فرصة للتسوية المستقبلية، ويجعل من حبل المشنقة أداة لتصفية الصراع بدلا من حله.
في النهاية، يبقى تنفيذ القانون مرهونا بقرار المحكمة العليا وقدرة المجتمع الدولي على ممارسة ضغوط فعلية، حيث أن أول عملية إعدام قد تكون بمثابة نقطة اللاعودة التي ستدخل المنطقة في دوامة جديدة من العنف المتبادل، وتكرس صورة إسرائيل كدولة خارجة عن الإجماع الدولي حول حقوق الإنسان الأساسية.
DemocPress ديموك بريس لسان حزب الديمقراطيين الجدد
