الرئيسية » أخبار الحزب » تأسيس التنسيقية المحلية لحزب الديمقراطيين الجدد بطاطا
تشريح بين الفخر والخيبة

تشريح بين الفخر والخيبة

صوفيا ضريف

لو سألت أي مغربي، اليوم، عن حال بلاده، بين سنتي 2022 و2026، قد تصدمك إجابته التي تمزج بين الفخر والخيبة في آن واحد، إن لم تكن الخيبة طاغية؛ بلد يحلق بنجاح في فضاء الانتصارات الدبلوماسية، لكنه يغرق داخليا في وحل الأزمات المعيشية الصعبة. هذه المفارقة تظهر بوضوح بمجرد إلقاء نظرة على شاشات الإعلام الحكومي، التي لا تتوقف عن تسويق الأرقام الوردية والمغلوطة لبرامج الدعم المباشر وتعميم التغطية الصحية والتشغيل. فبينما يشتكي المواطن البسيط في حياته اليومية من غلاء معيشي حارق أجهز على قدرته الشرائية، يرافقه فضائح فساد متتالية طالت عدة قطاعات، وآخرها اللغط الكبير الذي رافق استيراد أكباش العيد.

بل حتى التقارير الدولية لم تعد تجامل في تشخيص المعضلة، فالبنك الدولي كشف في تقييمه لسنة 2026 عن عجز هيكلي حقيقي يمنع الاقتصاد المغربي من خلق فرص شغل كافية ولائقة لشبابه. الأرقام الرسمية تبدو صادمة، حيث استقرت نسبة البطالة العامة عند عتبة 13.1%، لكنها قفزت بشكل مفزع لتتجاوز 38% في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا، مما يوضح الفجوة الشاسعة بين وعود الحكومة بحل معضلات الفقر والتشغيل وحقيقة الواقع على الأرض.

هذا الإحباط المزمن ألقى بظلاله الثقيلة على المؤسسات السياسية، ليعيد إنتاج أزمة وساطة مزمنة بين الدولة والمجتمع. و​النتيجة الحتمية لهذا الانفصال نعيشها، حاليا، على شكل عزوف صامت ومقاطعة سياسية غير معلنة، لكنها بالغة الدلالة.

هذا الغضب والردة السياسية يتغذيان أساسا من توالي فضائح الفساد المالي واستغلال النفوذ بدون حسيب ولا رقيب. فالشارع يتساءل كيف يمكن إقناع الشباب بالمشاركة والعمل السياسي وهو يرى 57 برلمانيا يتابعون أمام المحاكم أو يقبعون خلف القضبان في قضايا فساد، وسط صمت مطبق وغريب للمؤسسات الرقابية والمسؤولة التي يفترض بها تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في جميع المجالات.

أما ​على المستوى الحقوقي، يعبر المغرب منعطفا حساسا يتسم بـ “توتر صامت”، إذ يسود شعور متزايد بتراجع هوامش التعبير ومحاصرة المنصات الرقمية والأقلام الصحفية بخطوط حمراء غير مكتوبة. مثلا فالاحتجاجات الاجتماعية البسيطة والمشروعة للمواطنين أصبحت تقابل غالبا بمقاربات أمنية وإدارية خشنة تلغي خيارات الحوار السياسي والتشاركي الفعال، مما يعمق مشاعر التهميش والاستبعاد لدى فئات واسعة من جيل الشباب. ومع اقتراب استحقاقات أواخر سنة 2026، تبدو هناك مساع رسمية لتطهير الفضاء الانتخابي عبر تبني وزارة الداخلية آليات تقنية لضبط الترشيحات ومكافحة المال الفاسد، يرافقها قرار غير مسبوق لتمويل 75% من مصاريف حملات المرشحين الشباب لحثهم على ولوج المؤسسات. غير أن هذه الإصلاحات التقنية ستصطدم مجددا بجدار العزوف المرتفع، وهو ما يهدد بإبقاء الخريطة السياسية على جمودها وإفراز تحالفات حكومية مشتتة وهجينة بلا برنامج انتخابي فعال أو ناجع.

​ورغم هذا الضباب الداخلي، تظل قضية الصحراء المغربية نقطة الإجماع الوطني الوحيدة وصمام الأمان الذي يلتف حوله الشعب والعرش. فالانتصارات الدبلوماسية الأخيرة، وتحديدا قرار مجلس الأمن رقم 2797، وجهت ضربة قاصمة للأطروحات الانفصالية بعدما كرست مقترح الحكم الذاتي كإطار وحيد وحصري للتفاوض، ليدخل المغرب مرحلة “فرض الواقع” وبسط سيادته الإدارية والمؤسسية الصلبة على أقاليمه الجنوبية بظهير شعبي لا يتزحزح. لكن تأمين هذه الإنجازات الخارجية وصيانة مشاريع المملكة الجيوسياسية الطموحة كالمبادرة الأطلسية لدول الساحل وأنبوب الغاز النيجيري المغربي يظلان رهينين بأولوية قصوى، وهي تحصين الجبهة الداخلية أولا من الشوائب. فلا حماية للسيادة دون عدالة اجتماعية حقيقية يشعر بها الفقراء في معيشهم اليومي، وعبر ترميم جسور الثقة المهتزة وإعادة الروح لقنوات الوساطة السياسية الحقيقية بين الدولة والمجتمع.

عن الإدارة