الشباب اليوم، وبعد زمن يسير، منذ تنزيل دستور 2011 كوثيقة دستورية، كان يأمل أن يشهد على قطيعة مع الحقل السياسي للعهد القديم ومعاينة تنزيل ليس فقط اليات الدستور وإنما روح مواده أيضا على أرض الواقع.
لكن ما نشهده اليوم، هو مفارقة جوهرية بين هذه المكتسبات الدستورية المهمة، والتي تجلت في فصل السلط وتوسيع صلاحيات المؤسسات المنتخبة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلا أن واقع الحال مفصول تماما. حيث نشهد تراجعا في دينامية حركة المجتمع المدني، وتضييق الخناق على التعبير والإعلام، وهو ما يصعب معه وجود اليات لاسترجاع الثقة لدى الشباب لا سيما في هذه المحطة المهمة.
وفقدان الثقة هذا، لم يكن وليد الصدفة بل كان نتاج عمل طويل تمثل في الصراعات الحزبية الضيقة، وعدم محاسبة الفاسدين بحزم، بل وصل الأمر إلى خلق احزابا فقط لتزيح احزابا اخرى وخلق أحزابا أخرى هجينة، متناسين أن لهذا “المشهد السياسي” يوجد بالأساس لضمان التوازن وتسيير المعيش اليومي للمغاربة!
وحتى نكون منصفين، فالمشكل لا يكمن هنا فقط، فطبيعة الاقتراع التي تؤدي إلى بلقنة الخريطة السياسية بطريقة تفتقر إلى التجانس، لا يمكن أن تؤدي إلا الى إضعاف الارادة السياسية في تنزيل مقتضيات الدستور بشكل سليم.
وحتى عندما نحاول تفكيك هذه البنية المعقدة، يلقى كل اللوم على الأحزاب السياسية كونها “دكاكين انتخابية” ولا تواكب تطلعات المواطن. لكن إذا ما تأملنا قليلا، هل من الصعب القول أن الأزمة أعمق لتمتد وترتبط بتأهيل المواطن نفسه.
فعلى سبيل المثال، يوجد العديد من الكفاءات الشابة والطموحة ولها نية حسنة وإرادة في التغيير، لكن افتقارها للحد الأدنى من فقه الممارسة السياسية وكيفية اختراق البنية المؤسساتية وإدارتها من الداخل، يدفعها أحيانا للانسحاب السريع مما يضاعف من نسب العزوف.
قد يطرح سؤال: أوليست هذه من وظيفة الحزب؟ خطأ. فهذه وظيفة الصحافة والإعلام، وذلك عبر الشرح السليم لمفهوم السياسة، وتوفير الولوج للمعلومة للجميع بشفافية، وخلق برامج وفضاءات تخصص للسياسة فقط وتزود المواطن بأبسط أبجديات مكونات الحزب والغاية من وجودها وهي تأطير لمن يهتم أن ينخرط في الشأن السياسي. هكذا تكمل المجالات بعضها البعض، أما خطاب المزايدات المحصور في الكلام عن السياسة كونها فقط فسادا ولا تصلح لشيء، لا ينتج لنا إلا أفرادا يدركون المعنى السلبي للسياسة فقط، وهو ما يؤثر على سلوكياتهم تجاه هذه المؤسسات.
لذلك، وللتصدي لهذه العدمية السياسية واسترجاع الثقة بين المواطن والمؤسسات، فلا يختلف اثنان على أنه يجب تفعيل اليات المحاسبة الدستورية. فهيبة الدولة تنتج من ريط المسؤولية بالمحاسبة ولا تنتج بمجرد صياغة تقارير. كما يجب تحويل خلاصات المجالس الرقابية إلى جزاءات سياسية وقضائية ملموسة يراها المواطن في معيشه اليومي، الذي أصبح لا يطاق.
ومن العبث اليوم، البحث عن ” كبش فداء”، فالمسؤولية اليوم تضامنية ومتقاسمة بين الدولة، المؤسسات الدستورية، الأحزاب، المجتمع المدني، الإعلام، والمجتمع. لذلك يجب دعوة المواطنين وحثهم في قيادة مبادرات ذاتية واعية ومسؤولة، مستغلة في ذلك سلاح الفضاء الرقمي، لإعادة إحياء نقاش سياسي سليم وشفاف مع خلق مساحة للتعبير والاختلاف، لا سيما ما تشهده بلادنا من تحديات مستقبلية حاسمة.
إن مستقبل التوازن المؤسساتي في المغرب رهين بتحول الشباب من دور “المتفرج المتذمر” إلى دور “الفاعل المؤثر”؛ عبر صناعة محتوى رقمي هادف، سواء بالفيديو أو بالكتابة أو بالصوتةفقط، يفكك القوانين، ويحارب الإشاعات، ويشكل محتوى هادف يطغى على الشباب لإجبار النخب السياسية على فتح قنواتها، وتأهيل جيل جديد قادر على قيادة التغيير من داخل المؤسسات لا من خارجها.
DemocPress ديموك بريس لسان حزب الديمقراطيين الجدد
