الرئيسية » أخبار الحزب » بيان تضامني من التنسيقية الجهوية لحزب الديمقراطيين الجدد بسوس ماسة
هدم العشوائي

 من هدم “السكن العشوائي” إلى “هدم الكرامة”

صوفيا ضريف

في مشهد يتكرر في عدد من المدن المغربية، تتحرك الجرافات بسرعة وحزم لهدم بنايات توصف بـ”غير القانونية أو العشوائية”، في تطبيق صارم لمقتضيات القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء. مشهد قد يبدو، في ظاهره، انتصارا لهيبة القانون، لكنه يطرح في العمق سؤالا أكثر إلحاحا: هل يطبق القانون بمعزل عن العدالة الاجتماعية؟

فالجميع لا يختلف حول ضرورة تنظيم المجال العمراني ومحاربة الفوضى التي راكمتها سنوات من التراخي. غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ تطبيق القانون، بل في طريقة تنزيله، وفي غياب توازن واضح بين الردع القانوني والإنصاف الاجتماعي.

إن قرارات الهدم تنفذ غالبا بسرعة لافتة، وبحزم لا يقبل التأجيل، في حين تغيب—أو تتأخر—آليات المواكبة الاجتماعية للسكان المتضررين. أسرٌ تجد نفسها، بين ليلة وضحاها، دون مأوى فعلي، في انتظار حلول بديلة لا تأتي بالسرعة نفسها التي جاءت بها الجرافات. هنا يبرز التناقض: الدولة حاضرة بقوة في الهدم، لكنها مترددة أو بطيئة في التعويض وإعادة الإدماج، وهو ما يخلق شعورا  متناميا  لدى فئات واسعة بأن القانون يطبق بصرامة على الضعفاء، بينما تغيب نفس الصرامة في معالجة جذور المشكلة.

لكن السكن غير اللائق ليس ظاهرة معزولة، بل هو نتيجة مباشرة لاختلالات عميقة: ضعف السياسات العمومية المتعلقة بالسكن الموجهة للفئات الهشة، ارتفاع أسعار العقار، تعقيد مساطر الترخيص، وغياب بدائل واقعية للفئات ذات الدخل المحدود. وفي هذا السياق، يصبح الهدم، وإن كان قانونيا، أقرب إلى معالجة للنتائج بدل الأسباب.

كما تطرح عمليات الهدم إشكالية جوهرية تتعلق بغياب إطار واضح وشفاف للتعويض، أو لإعادة إسكان المتضررين في ظروف تحفظ كرامتهم. فبين النص القانوني والتطبيق الميداني، تضيع حقوق كثيرة: هل كل من هدم منزله كان “عشوائيا” أو مخالفا للقانون؟ أم أن جزءا منهم ضحية واقع اقتصادي واجتماعي معقد؟ فالخلط بين الحالتين يفرغ العدالة من مضمونها، ويحولل القانون من أداة تنظيم إلى أداة ضغط اجتماعي. وحين يشعر المواطن بأن الدولة حاضرة فقط بالعقوبة، وغائبة عند الحاجة إلى الحماية، فإن الثقة في المؤسسات تتآكل تدريجيا. ومع تكرار هذه المشاهد، قد يتحول الاحتقان إلى عامل تهديد للسلم الاجتماعي، خاصة في المناطق الهشة، وهو ما عايناه في أحداث “عين برجة”.

لا أحد يدعو إلى الفوضى أو التساهل مع المخالفات، لكن المطلوب هو مقاربة شمولية تقوم على الربط بين تطبيق القانون وبرامج إعادة الإسكان، وتسريع مساطر التعويض بشكل عادل وشفاف، وتبسيط إجراءات الترخيص لتفادي البناء غير القانوني، والتمييز بين المضاربين والسكان ذوي الهشاشة.

إن قوة الدولة لا تقاس فقط بقدرتها على الهدم، بل بقدرتها على إعادة البناء الاجتماعي حيث أن تطبيق القانون ضروري، لكن العدالة الاجتماعية ليست خيارا تكميليا، بل شرطا أساسيا  لنجاح أي سياسة عمومية. وبين الجرافة وحق السكن، يبقى التحدي الحقيقي:

 كيف نجعل القانون يحمي الجميع، دون هدم كرامتهم؟

عن الإدارة