الرئيسية » أخبار الحزب » بلاغ صحفي حول الخروقات المرصودة خلال سير عملية الاقتراع
البرلمان المغربي

عن الندية الدبلوماسية وسقوط أوهام الوصاية

بقلم: ضريف صوفيا

يبدو أن الخطاب الملكي السامي في افتتاح السنة التشريعية لم يكن مجرد محطة بروتوكولية في تقويم الحياة السياسية الوطنية، بل جاء كإعلان سيادي صريح برسم خطا فاصلا بين زمنين: زمن التوازنات الحذرة، وزمن الوضوح الحاسم الذي لا يقبل المواربة. فحين خاطب جلالة الملك الأمة ونوابها، كان صوته يتردد بوضوح خارج الحدود، وتحديدا في العواصم الشمالية التي لا تزال بعض نخبها تعيش على إرث نظرة تقليدية متجاوزة لعلاقتها بالرباط.

إن الرسالة المركزية التي لا تحتمل التأويل هي أن المغرب شريك موثوق، لكنه ليس تابعا لأحد. فالشراكة مع بلادنا اختيار استراتيجي نابع من إرادتنا الحرة، ولن تكون يوما رهينة لابتزاز، أو ورقة لضغط سياسي، أو موضوعا لمساومات ظرفية. هذه ليست مجرد نبرة حازمة في خطاب رسمي، بل هي عقيدة دولة أمة، متجذرة في التاريخ، ومسنودة بإجماع شعبي لا يتزعزع حول ثوابتها ووحدتها الترابية.

ولأن بعض الدوائر الأوروبية توهمت لسنوات أن التعاون الأمني وتدبير تدفقات الهجرة التزام تمليه الجغرافيا وتتحمله الرباط منفردة لحماية حدود القارة العجوز. فقد جاء الموقف الملكي ليضع حدا قاطعا لهذا الوهم. إن المغرب، الذي تصرف دائما كفاعل إقليمي مسؤول ورائد قاري في المعاملة الإنسانية للمهاجرين، يرفض بشكل قاطع أن يحشر في دور “دركي الحدود”. كما أن الأمن المتوسطي مسؤولية جماعية متكافئة، ولا يمكن لمن يتنصل من التزاماته التنموية والسياسية أن يطالب المغرب بتأمين حدوده بينما يتعامل مع قضاياه المصيرية بازدواجية معايير فجة.

إن قوة هذا الطرح الدبلوماسي اليوم لا تنبع من فراغ، بل تستند إلى تحولات جيو- استراتيجية عميقة قادها جلالة الملك بحكمة ورؤية نافذة. لقد كسر المغرب منطق التبعية الحصرية للفضاء الأوروبي عبر تنويع شراكاته مع القوى الكبرى في العالم، وعبر ترسيخ حضوره كقوة وازنة ومؤثرة في عمقه الإفريقي الطبيعي. إن هذا التنويع حرر الإرادة السيادية المغربية من أي ارتهان، وجعل الموقف الوطني مبنيا على أسس الندية، والاحترام المتبادل، والمعاملة بالمثل.

أما قضيتنا الوطنية الأولى، مغربية الصحراء، فلم تعد تقبل الرمادية أو المواقف الملتبسة. لقد أثبت المغرب أن سيادته الترابية هي البوصلة الوحيدة التي تقاس بها الشراكات. فمن أراد شراكة حقيقية ومستدامة مع الرباط، فعليه أن يدرك أن زمن الإمساك بالعصا من المنتصف قد ولى، وأن مصالح المغرب الحيوية غير قابلة للتجزئة أو التفاوض.

أمام هذا المنعطف الدبلوماسي الحاسم، تقع على عاتقنا كقوى سياسية وبرلمانية مسؤولية وطنية مضاعفة. لا يمكن للدبلوماسية الرسمية أن تخوض معارك السيادة بمفردها؛ بل نحن مطالبون اليوم بالارتقاء بالدبلوماسية الحزبية والبرلمانية إلى مستوى التحديات الراهنة. إن تحصين الجبهة الداخلية، وترسيخ الاستقرار المجتمعي، وتخليق الممارسة السياسية، هو الدرع الحقيقي الذي تتكسر عليه كل محاولات التضييق أو الابتزاز.

إن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس؛ بلد واثق من مساره، متصالح مع هويته، يعرف حجم أوراقه الجيوسياسية ويديرها باقتدار. والرسالة التي يجب أن يستوعبها الجميع هي أن أيدينا ممدودة للصداقة والتعاون، لكن كرامة الوطن وسيادته خطان أحمران لا مجال للمساس بهما.

عن الإدارة